• ×

10:23 صباحًا , الخميس 11 ربيع الثاني 1442 / 26 نوفمبر 2020


الحقيقة في حجة الهوى والجهل!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحقيقة في حجة الهوى والجهل!!

ثمة رسالة عريقة، كتبها زعيم كتاب العرب: أبوعثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ وهي بعنوان:" فضل السودان على البيضان" أورد فيها_ ببيانه الساطع وأسلوبه البليغ_ حججا كالنبال في نحر الرمية، بين خلالها فضل السودان على البيضان مستشهدا بالأحاديث النبوية، والأبيات الشعرية التي تؤيد السودان وتبين فضلهم على البيضان، وقد دعم حجته بذكر شخصيات سود، لها أثرها البالغ في التاريخ كلقمان الحكيم، ووحشي وغيرهم، وليته اكتفى بهذا، بل سحرني بأدلته المنطقية، وحججه الطامية التي ترفع السود عن البيض قدرا، حتى كدت أن أجزم بفضلهم وتقدمهم على البيض!! ولا شك أن هذه القدرة الحجاجية ليست غريبة على مثل هذه القامة الكبيرة في الأدب العربي، ولكن السؤال الذي يبتدر إلى الذهن، هل كان الجاحظ محقا في قوله؟ وهل الدرس الإسلامي والعقلي والعرفي مؤيده؟ في الحقيقة لست بصدد تفنيد هذه الحجج، بالرغم أن القضية محسومة، وليست بحاجة إلى مزيد من الرد والتوضيح، وبخاصة أن الدرس القرآني قد حسم الموقف بمعيار التقوى( إن أكرمكم عند الله أتقاكم). هنا يتجلى السؤال الأهم: كيف استطاع الجاحظ أن يمرر مثل هذه الأفكار ويخدعنا بها، رغم سطوع الحق وبيانه، وهل الحجة شأن ملازم للحقيقة؟

إن الحقيقة أمر والحجة أمر آخر، وبينهما شعرة خطيرة، فإذا توارت هذه الشعرة عن بياض العين، تلتبس الحجة في الحقيقة فتصبح الكارثة، ويبدأ معها صراع لا ينتهي، فالحقيقة حسام يفصل الحق عن الباطل، والحجة دافع ذاتي تصنعه الرغبة والميول، وتزداد الحجة قوة بقدر الدافع وبقدر ملكة صاحبها، فإن دخلت في الحق امتزجا، وإن كانت الحجة بدافع غير الحق، يحدث اللبس فتتبدد الحقيقة، وتظهر الحجة برداء الحقيقة ولكنه رداء زائف، وبهذا الرداء تنتشر الفوضى والشعارات الزائفة، وتوكل الأمور إلى غير أهلها، ويتصدر البغاث شؤون العامة، ولعل هذا أس نكبات الأمة العربية اليوم، ومصدر زعزعتها، حيث طغت فيها المصالح الشخصية والرغبات الذاتية، حتى أصبحت المؤسسات والمنشآت تبنى وفقها، فتختفي معها الحقيقة، وتنعدم في مساراتها المصداقية ولا يملك الحليم حيالها إلا أن يقف تائها حيرانا لا يعلم للنور سبيل، وعندما تأملت في صراعاتنا الاجتماعية مثل التكفير والليبرالية والمتاجرة في الدين( وليس الالتزام في الدين) وغيرها من الشعارات وجدت المصلحة الذاتية هي الباعث لها، أو الجهل المطبق في اتباع هذا المنهج أو ذاك، فلا غرو أن تنهار دولة عظيمة كمصر بحجج واهية قد ضربت الشرعية وكل ماهو شعبي بعرض الحائط، ولبست رداء الحقيقة الزائف لدرجة أنها انطلت علي في وقت من الأوقات.
نسمع كثيرا شعارات رنانة، وعبارات منمقة، تتمحور في حرية الفرد، وتعاطي المرأة مع مقتضيات العصر ولوازمه، ومواكبة العقلية العربية ركب الانفتاح والتطور في العالم، فأقول يجب أن نفتش عن الباعث الحيقيقي لمثل هذه الشعارات؛ لأن الحقيقة في هذا الزمن تحتاج إلى مهر باهظ من العناء والتوجس وبخاصة عندما نجد حفنة ممن يسمون أنفسهم بالليبرالية يتفوهون بمثل هذه الشعارات بدافع دنيء وضيع، لايحكمه نظام فكري ولا أساس علمي محدد، وفي المقابل لم نجد من يتصدى لهذه القضايا_ من رجالاتنا الصحوية_ بعقلية واعية لم يستعبدها ولم يحكمها باب( سد الذرائع) مما جعلنا نفشل أمام تحديات عديدة كقضايا المرأة، وحقوق الفرد، والقنوات الفضائية والأنترنت، والفساد الإداري الطاغي، ونهب الحقوق العامة والخاصة!! هنا تحديدا ضاعت الحقيقة بين مطرقة الهوى وسندان الجهل في جدار الحجة، فجعلنا نلهث بحثا عن الحقيقة الغائبة التي سارت في دهاليز الأهواء، وظلمة الجهل الكالح.

جابر العبيد


بواسطة : جابر العبيد
 0  0  1024
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:23 صباحًا الخميس 11 ربيع الثاني 1442 / 26 نوفمبر 2020.